المقريزي
331
المقفى الكبير
والحسين جالس أمام بيته محتبيا . فنظر إليهم قد أقبلوا ، فقال لأخيه العبّاس بن علي بن أبي طالب : [ قم ] إليهم فسلهم ما بدا لهم . فسألهم فقالوا : أتانا كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك . قال : انصرفوا عنّا العشيّة حتى ننظر ليلتنا هذه في ما عرضتم . فانصرف عمر . وجمع الحسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة ، فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وما أكرمه اللّه به من النبوّة وما أنعم به على أمّته ، وقال : إنّي لا أحسب القوم إلّا مقاتليكم غدا . وقد أذنت لكم جميعا فأنتم في حلّ منّي . وهذا الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوّة فليضمّ رجلا من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سوادكم حتى يَأْتِيَ [ اللّه ] بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( المائدة : 52 ) . فإنّ القوم إنّما يطلبونني ، فإذا رأوني لهوا عن طلبكم . فقال أهل بيته : لا أبقانا اللّه بعدك ! لا واللّه لا نفارقك حتى يصيبنا ما أصابك ، - وكذلك قال أصحابه . فقال : أثابكم اللّه على ما تنوون ، الجنّة . وأتاه رجل من الأنصار فقال : عليّ دين . فقال : لا يقاتل معي من عليه دين ! وقيل لمحمّد بن بشر الحضرميّ : قد أسر ابنك بثغر الريّ . قال : عند اللّه أحتسبه ونفسي ، ما كنت أحبّ أن يؤسر ولا أن أبقى بعده . فسمع قوله الحسين ، فقال له : رحمك اللّه ، أنت في حلّ من بيعتي . فاعمل في فكاك ابنك . قال : أكلتني السّباع حيّا إن فارقتك ! قال : فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه - وأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار . [ استعداد الحسين للقتال ] فلمّا أصبح الحسين يومه الذي قتل فيه رضي اللّه عنه ، قال : اللهمّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، وأنت وليّ كلّ نعمة وصاحب كلّ حسنة . ثمّ قال الحسين لعمر بن سعد وأصحابه : لا تعجلوا حتّى أخبركم خبري : واللّه ما أتيتكم حتى أتتني كتب منكم « 1 » بأنّ السنّة قد أميتت ، والنفاق قد نجم ، والحدود قد عطّلت ، فاقدم لعلّ اللّه تبارك وتعالى يصلح بك أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . [ فانسبوني فانظروا من أنا ] « 2 » وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل يصلح لكم قتلي ويحلّ لكم دمي . ألست ابن بنت نبيّكم وابن ابن عمّه وابن أوّل المؤمنين إيمانا ؟ أوليس حمزة والعبّاس وجعفر بعمومتي ؟ أو لم يبلغكم قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيّ وفي أخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإن صدّقتموني ، وإلّا فاسألوا جابر بن عبد اللّه وأبا سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وزيد بن الأرقم . فقال شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما يقول . وأقبل الحرّ بن يزيد أحد بني رياح بن يربوع على عمر بن سعد ، فقال : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ فقال : نعم . [ فقال ] : أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض رضى [ 401 أ ] ؟ قال : لو كان الأمر إليّ لفعلت . فقال : سبحان اللّه ! ما أعظم هذا ! أن يعرض ابن بنت رسول اللّه عليكم ما يعرض فتأبونه .
--> ( 1 ) قراءة ظنّيّة . ( 2 ) كلام مطموس ، والتعويض من الطبريّ ، 5 / 424 .